قراءة متأنية للاستاذ المؤرخ البحريني راشد عيسى الجاسم
- O2 graphic
- ٢٢ مايو ٢٠٢٣
- 17 دقائق قراءة
تاريخ التحديث: ٩ يوليو ٢٠٢٣
حرر في 13 ابريل 2016م
الجزء الاول
كتاب موقف الولاة والعلماء والأعيان والأقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856-1914م)
حقيقة وقبل البداية أود التنويه بأن ما يدمر العقل النقدي لدى العرب، هي صياغة العقل (العربي) بمنظومة من الأمثال والموروثات الشعبية التي تنتج في مجملها ذلك العقل الذي يعيش حول منطق مضمونه ” بأن الماضي هو الأجمل دائما”، “وأن الأجداد هم مصدر الأمجاد” هذا من جانب، ومن جانب آخر هو تلك الإنتقائية في إختيار الآيات القرآنية التي تمنح بنظرهم الدلالة بأن الماضي دائما أفضل من الحاضر، وان الامم السابقة هي الخيرة، والأمم الحاضرة هي اقل خيرا من تلك السالفة، بالطبع هنا نقصد المفهوم العام، ولا نقصد عدم تفضيل الأنبياء عليهم السلام واتباعهم المكرمين، ولا نقصد أيضا عدم تفضيل الرفاق المخلصين لخاتم الانبياء الحبيب المصطفى محمد عليه افضل الصلوات والتسليم وآل بيته الطاهرين.
ولكن نقصد بأن الصالحين موجودين في كل الأزمان ونتحدث هنا بشكل عام عن الأمم، حيث نجد تلك السطحية والجهل موجود في فهم بعض آيات القرآن الكريم ومنها قوله جل جلاله:{ كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ }[آل عمران :110]، ويتناسوون دعوة القرآن المتجددة لإصلاح الأمة من خلال الاستفادة من أخطاء الأمم السالفة وأن من البديهات بأن تكون الأمم اللاحقة أفضل من السابقة فيما لو تعلمت من العبر والدروس، حيث قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ } [العنكبوت : 43]، وقال عزوجل: { لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ ۚ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }[الحشر: 21].
ومن هنا نستذكر بعض اطروحات اشباه النخب والمثقفين في عالمنا الاسلامي، بأن قضية فلسطين سيأتي زمان سينتصر فيه المسلمين على اليهود وذلك من علامات الساعة، فلا داعي للقلق كما يزعمون، نجيبهم بأن القائد الاسلامي الكبير صلاح الدين الأيوبي لم ينتظر قيام الساعة لتحرير القدس، وجيله كان أفضل من الجيل الذي يسبقه من حيث التضامن مع قضايا الأمة الاسلامية، وبما أن جيل صلاح الدين أفضل من الجيل السابق له، ومن هنا يحق لنا التأكيد بأن ليس الماضي دائما أجمل.
نقول للمتخاذلين بأن صلاح الدين الأيوبي لم ينتظر قيام الساعة لتحرير القدس الشريف
ومن جانب آخر نجد تلك الشخصيات التي تنتقي الأحاديث النبوية الشريفة وتأولها وتتغافل عن الأخرى كحديث: (اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ)، ولا تأتي هذه الأحاديث إلا في سياق الدفاع عن الموتى من كبار القوم والأعيان والإقطاع والولاة، ويفسره أولئك بمعنى رمي مساوئ الموتى في قاع البحر لأنه بات من المحظورات وأنه بمجرد فتحه سينالنا العقاب والحساب، ودون أدنى محاولة للتعلم والاستفادة من العبر والدروس من تلك الأخطاء التي وقعت وما زالت تقع فيها الأمة، وتناسوا حديث آخر بأن: (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين)، فمن هنا نجد أهمية كتاب الدكتورة نائلة الوعري المقدسية مولدا والبحرينية المنامية (القضيبية) نشأة وترعرعا تحت عنوان ” موقف الولاة والعلماء والأعيان والإقطاعيين في فلسطين من المشروع الصهيوني (1856 – 1914م)”، حيث وضعت النقاط على الحروف وأعلنت صراحة بأن ليس ثمة وقت للمجاملة على حساب التاريخ والأمة، وأن يتوجب علينا جميعا بأن نعري جميع تلك الممارسات والآليات والأدوات التي ساهمت في تمكين الصهيانة، وبل فضح الشخصيات في مختلف القطاعات دون النظر لألقابهم ومسمياتهم، وقد كسرت الدكتورة نائلة “التابو” من تلك الخطوط الحمراء التي أوهمنا أنفسنا بها، ولم تبالي من تلك الخطورة التي قد تلاحقها من هنا أو هناك لأنها تبحرت في الوثائق التاريخية ولم تزهد في ذكر أولئك المتخاذلين بأسماؤهم وألقابهم.
الكتاب ركز في تفنيد أهم شبهة يرميها العدو الصهيوني بين حين وآخر وهي بأن الفلسطينيون هم من باعوا الأرض، وللأسف يرددها بعض أبناء هذه الأمة عن جهل كالبغبغاوات، ولكن قبل أن نغوص في أعماق الكتاب لتصحيح ذلك الفهم، أريد أن اوجه رسالتين لأبناء هذه الأمة:
الأولى: يقول الأجداد في الأمثال بأن الأرض كالعرض، وقد لا تخلوا عائلة بحرينية أو خليجية ميسورة ومن الطبقة الوسطى، لم يوقف لهم أجدادهم عقارا على الذرية لضمان عدم بيع الأرض للغرباء، وفي صعيد آخر أقولها للعرب الذين يرددون أسطورة بيع الفلسطينيين للأرض على الصهاينة، أينكم عن مشاريع بيع الجزر والأراضي والشقق في المناطق السياحية والاستثمارية والصناعية في دولكم، أم أنكم قد غفلتوا أو تم إستغفالكم عنها.
الرسالة الثانية: بأن العقلية التي تتخلى عن قضيتنا الأم فلسطين وعن الحرم القدسي الشريف، عقلية مهيئة بأن تتخلى عن أوطانها وعن الحرم المكي والمدني متى أشتدت الأمور لا قدر الله، فيتوجب علينا جميعا بأن لا نقبل لأي طرح سلبي من شأنه يجعلنا نتخاذل في الدفاع عن القضية المركزية فلسطين، ولكن يجب أن نحول سلبياتنا الى ايجابيات وأن نحيي أي مبادرة من شأنها جعل القضية الفلسطينية قضية حية ماثلة أمام أعيننا في كل زمان ومكان.
الدكتورة نائلة الوعري وضعت كتابها في مصاف المراجع للقضية الفلسطينية
وبالعودة لهذا الكتاب والذي هو في الحقيقة إطروحة دكتوراه ومرجعا لا يمكن تجاوزه عند ذكر القضية الفلسطينية، حيث تناولت فيها الكاتبة لحقبة زمنية لم يتعمق فيها الباحثون بالتفصيل التي اجتهدت فيه اجتهادا يستحق الوقوف عنده والتأمل في ثناياه، حيث ركزت على حقبة النواة الأولى للمشروع الصهيوني في الفترة من عام 1856م الى عام 1914م، أي قبل وعد بلفور المشؤوم بثلاث سنوات، وأعطت خلاله درسا للعقل الكلاسيكي العربي المبرمج بأن يكون ردة فعل لحدث، ولذلك نجده دائما ما يبدأ سرد القضية الفلسطينية عند وبعد وعد بلفور (عام 1917م)، وتلك البداية بالتأكيد قاصرة لأن أي وعد يحصل عليه أي شخص او جماعة أو قوم لا بد بأن يكون نتيجة لعمل دؤوب وتخطيط لنيل ذلك الوعد، ولا بد أيضا من عمل مماثل ومثابر لتحويل ذلك الوعد الغادر إلى واقع ملموس، فالذي لا يحلل التخطيط لا يستطيع تشريح عقل العدو، فهذا المفهوم – بحسب قراءتنا- لاحظناه في دراسة الدكتورة نائلة، والتي توصلت خلالها – اي د. نائلة- لنتائج مبهرة استسقتها عبر عدة مصادر هامة ومنها:
1- السجلات في الألوية الفلسطينية الثلاثة (عكا ونابلس والقدس) ابان الحكم العثماني.
2- دفاتر الأوقاف. 3- دفاتر الطابو العثمانية. 4- الصحف. 5- تقارير القناصل.
6- المسوحات الجغرافية 7- الوثائق والدراسات المنشورة والرسائل العلمية.
8- العديد من المراجع العربية والأجنية وغيرها.
حيث تمكنت الدكتورة من وضع بصمتها عبر كسر الديباجة الكلاسيكية المكرورة للقضية الفلسطينية، حيث عبرت وبالدلائل بأنها قد بدأت الملامح الأولى للمشروع الصهيوني بالظهور في مطلع العقد الرابع من القرن التاسع عشر، أي عندما تمرد محمد علي باشا والي مصر على سلطان الدولة العثمانية، حيث قدمت الحملة المصرية لبلاد الشام عام 1831م وتمكنت من الاستئثار بالحكم والذي دام الى عام 1840م اي حوالي عقد من الزمن، وهذا الأمر أربك وضع الدولة العثمانية مع الدول العظمى.
اصبح محمد علي باشا حاكما لمصر والشام بعد تمرده على السلطان العثماني (1831-1840م)
حاول الحكم المصري الجديد جاهدا من تثبيت أركانه في الشام ككل، وفلسطين بالتحديد عبر بعض من الإجراءات والتنازلات ومنها وما يمسمى جوزا بإرساء مبادئ المساواة بين جميع الطوائف الإسلامية وغير الإسلامية، ومنح الدول الأجنبية بعض الإمتيازات والتسهيلات في الأراضي المنضوية تحت لوائها بما فيها المقاطعات الفلسطينية. حيث شجع أتباع “الطوائف الغير مسلمة” للتوافد الى فلسطين، وتحديدا بعد قراره بالغاء الضرائب على غير المسلمين من الأجانب الوافدين لزيارة الأماكن الدينية المقدسة عام 1832م هذا من جانب، ومن جانب آخر منح محمد علي باشا الحكومات الأجنبية بطواقمها الاستخبارتية المختلفة سواء تلك التي ترتدي الرداء الدبلوماسي او الخيري او التبشيري تراخيص مختلفة لمباشرة دورها الخطير بفلسطين، فوافق للقنصل الفرنسي في يافا ببناء (3-4) محلات بجوار مستشفى دير الفرنج في مدينة القدس عام 1832م، ومنح ايضا بريطانيا امتيازا بفتح أول مكتب قنصلي لها في القدس عام 1839م، حيث أصبح لاحقا مقرا يرعى مصالح المسيحسين من طائفة البروتستانت واليهود، وفي نفس العام سمح لقنصلها – اي بريطانيا – من شراء مسكن له في المدينة.
وهذه التسهيلات ابان الحكم المصري (1831-1840م) ساهمت بمطالبات اليهود سواء المقيمين والوافدين بالتقدم بطلبات متعددة وقد تحققت لهم مكاسب تعد نواة للمشروع الصهيوني وعلى رأسها، اقامة الثري اليهودي إدموند روتشيلد مشفى هداسا في الحي اليهودي داخل مدينة القدس عام 1834م، وتجروء اليهود بتقديم طلب لمتسلمية القدس عبرالقنصل البريطاني عام 1839م، يقضي بالسماح لهم بتبليط زقاق البراق المؤدي الى حائط البراق، بالرغم من أنه جزء لا يتجزأ من أوقاف المنسوبة للشيخ شعيب بن محمد المغربي المالكي الشهير بأبي مدين الغوث الصوفي الاندلسي (الاشبيلي) ولادة ثم الجزائري (التلمساني)، وهي في الأصل زاوية بنيت عام 1320م، وهي محبوسة –أي الزاوية- للوافدين الى القدس من المغاربة، ومن هنا بدأت النواة الأولى للمشروع ولنا تكملة في الجزء الثاني بحوله تعالى.
الجزء الثاني
توقفنا في الجزء الأول من هذه القراءه عند نقطة تحول خطيرة أطلقنا عليها جوازا النواة الأولى للمشروع الصهيوني، وهي مرحلة الحكم المصري للشام وفلسطين (1831-1840م)، وما صاحبها من الحصول على امتيازات و موافقات لشراء أراضي كالذي انتزعه أحد الرأسماليون اليهود ببناء مشفى هداسا داخل القدس الشريف عام 1834م، او التسهيلات التي مكنت الدول العظمى من مزاولة العمل الاستخباراتي تارة بحجة بناء قنصليات وتارة أخرى بإنشاء مركز ثقافي أو آخر تبشيري، فساهم وجود القنصلية البريطانية في القدس الشريف عام 1838م من اختراق أجنبي خطير للدولة الوليدة، وتمثل ذلك جليا برعاية القنصلية لمصالح البروتستانت واليهود، حيث ساهمت – أي القنصلية البريطانية- دونما لباقة سياسية في تقديم بعض المطلبات الخدمية لليهود لدى متسلمية القدس، كتلك المخاطبة التي طلبوا خلالها بالسماح لليهود (باعتبارهم رعاياهم) بتبليط زقاق البراق المؤدي الى حائط البراق، بالرغم من أنه جزء لا يتجزأ من أوقاف المسلمين، في محاولة واضحة لتمكينهم وابتزاز الحكم الجديد.
ولكننا يجب أن ننوه لمسألة هامة للغاية بأن ما قام به الحكم المصري من تمليك أراضي لانشاء القنصلية البريطانية ومسكن للقنصل السنيور نقولا بوزون أمرا خارقا للأعراف وللإجراءات الرسمية في تلك الحقبة التاريخية، وهذا ما كشفت النقاب عنه الدكتورة نائلة الوعري، حيث وضعت لنا وثيقة هامة وهي آلية هذا الأمتياز، الذي تم بايعاز وحث محمد علي باشا لحكمدارية الشام وممثليهم في القدس بتقديم التسهيلات لشراء مسكن للقنصل سنة 1839م حيث أكدت المخاطبة التالية ذلك:
(( قدوة الأماجد الكرام ذوي الاحترام أخانا العزيز السيد أحمد آغا دزدار متسلم القدس الشريف حالا أنه قبلا تقدم عرض حال السنيور نقولا بوزون بأنه مراده يشتري دارا لسكنه بالقدس الشريف ويلتمس الرخصة بذلك، … فتجاوبتم بأنه من القديم خارجة عن العادة بأن المستأمنين يشتروا هكذا أملاك بموجب حجج شرعية وقد عرض ذلك بالأعتاب السنية الخديوية والآن ورد لنا أمر عالي يضمن الرخصة للسنيور نقولا بوزن المذكور بمشترى الدار التي مراده يشتريها بالقدس الشريف لسكنه وبناء على ذلك اقتضى تحرير طرفنا هذا إليكم لكي ترخصو للسنيور نقولا المذكور بمشترا الدار المرقومة حكم التماسه كما هو جاري بطرفكم مع أمثاله من المستأمنين بمقتضى الإرادة السنية … دون في 27 ج سنة 50 ممهورة بمهرة الشريف)).
عودة فلسطين في أحضان الدولة العثمانية بقيادة السلطان عبدالمجيد الأول في الفترة (1840-1861م)
ولكن بعد عودة فلسطين الى حضن الدولة العثمانية مجددا وانسحاب الجيش المصري من الشام وفلسطين عام 1840م، اصبح شغل الدولة الشاغل التعامل مع التركة الصعبة او كما وصفته الكاتبة بمخلفات الحقبة السابقة، ولذلك أصدر والي القدس تعميما تاريخيا في عام 1843م الى الهيئات الاسلامية والذمية في الولاية نقتطف منه التالي:
(( إلى كافة عموم الرعايا إسلام وذميون تحيطون علما المنهى إليكم مقدما قد كان تحرير لكم أمر عمومي من سعادة سلفنا الأفخم عن الإرادة السنية المشيرية الصادرة عن الإرادة الملوكانية بخصوص منع بيع الأملاك والأراضي إلى طائفة المستأمنين الكاينين في الممالك المحروسة الشاهانية إذ هو من الممنوعات ومخالف إلى الشرع الشريف ومودي إلى اختلال نظام الملكية وأنه بعد ذلك لا يباع إلى المستأمنين شيء من أملاك وأراضي أهل الإسلام والرعايا لا كلي ولا جزئ لا سرا ولا جهرا ولا بأي صورة كانت …))
ولاحظنا بأن جوهر هذا النص يحمل مسؤلية عالية للحفاظ على هيبة الدولة ومقدراتها، وهناك تخوف شديد من إنفلات زمام الأمور، عبر الأيدي العابثة الأجنبية التي تريد خلخلة النظام برمته عبر هذه التملكات، وهذا ما عبر عنه صراحة بالنص التالي (ومودي إلى اختلال نظام الملكية)، وكأن لسان حال الدولة يقول لن نسمح بهذه المهزلة بعد الآن، وتبع ذلك التعميم قرار آخر من والي القدس عام 1849م، بشأن التلاعبات والحيل الجديدة التي قام بها الأجانب، بشراء الأملاك وكان ذلك عبر إكذوبة مفادها بأنهم من رعايا الدولة العثمانية (وهذا عكس الواقع)، فلذلك كان القرار الحاسم بأن قرار التنسيب لجنسية الدولة يكون عبر المجلس العالي.
ويبرر ذلك التخوف الواقعي من تلك الأيادي الغادرة، ذلك التوجه الرسمي والشبه الرسمي الأوروبي، الذي شرع بالتنظير لمسألة خطيرة للغاية، ولا يخفيكم علم اخواني الاعزاء بأن أساس أي عمل نوعي وجدي على الأرض هي النظرية، فلا تطبيق عملي لاستراتيجيات ورؤى دون قوالب نظرية والعكس غير صحيح، وتفضي تلك النظريات المطروحة من قبلهم – اي الاوروبيين- بإنشاء وطن قومي لليهود داخل الأراضي الفلسطينية، فقد أطلعتنا تلك النشرات البريطانية الخاصة بحرب القرم عام 1856م، بذلك المانشيت العريض وبعنوان “هللي يا بريطانيا” التي ذكرت بصراحة بالغة بأن القدر قد إختار بريطانيا لإعادة اليهود الملهمين في الشتات منذ أمد بعيد إلى ديارهم، ومن هذا المنطلق (Restoration of the Jews = إعادة اليهود) سار المنظرون الفرنسيون والألمان والنمساويون والروس.
بعد كل ما تقدم ذكره بات من الواضح بأن العمل لم يكن عشوائيا، وبصورة أدق بأن تلك النغمات المبعثرة غدت ألحانا، وتلك الألحان لم تكن نشازا بل أصبحت تؤدى عبر العازفين وتحولت فيما بعد الى مقطوعة موسيقية، وبات من الواضح جليا بأن هناك مايسترو يقف خلف هؤلاء العازفين، يالها من غفلة يا بني امي ويالها من معلومات قدمتها لنا الدكتورة نائلة في هذه الحقبة التي أشبها بالأرض البكر التي لم يسبقها فيها أحد بهذه التفصيلات، والذي يعزز ذلك الطرح بأن الحيل أخذت تعدد وتتنوع بالرغم من تلك التعاميم والأوامر الممانعة (لبيع الأملاك) لذلك التغلغل الاجنبي، فأخرجت لنا الباحثة وثائق ومكاتبات تفيد بأن هناك تحايل جديد لنقل الأراضي إلى رعايا الدول الغربية، وهي خلال استغلال الدول الاجنبية لرعايا الدولة العثمانية من الطوائف الغير اسلامية عبر الآلية التالية:
1- أن يشتري رعايا الدولة من ابناء الطوائف الغير الاسلامية (من نساء أو رجال) العقارات باسماؤهم.
2- وإذا ما سجلوها بأسماء الرجالا فإنهم يقومون بالتنازل عن الجنسية العثمانية ويقوموا بالإنتساب بالجنسية الأجنبية.
3- ما إن يتم انتسابهم للجنسيات الأجنبية فتجد بأنهم يمتلكون حصانة الحماية الإجنبية تجاه أي إجراء تقوم به الدولة العثمانية.
وبالرغم من تلك الحيل واصلت الدولة العثمانية عملية الترقب والحذر الدائم من تلك الثغرات التي يريد العدو استغلالها، ولنا تكملة في الجزء الثالث بحوله تعالى.
حرره راشد عيسى الجاسم في 15 ابريل 2016
الجزء الثالث
قبة الصخرة عام 1879م وأمام الدرج (الكأس) الذي يتوضأ منه المصليين ويكون الماء في الصيف باردا – المصدر نائلة الوعري
توقفنا في الجزء الثاني عند آليات وأساليب الحيل التي مارسها الأجانب والحركات الصهيونية في شراء العقارات، وأوضحنا أيضا بأن الدولة العثمانية أصدرت قرارات وتعاميم ممانعة لهذا التغلغل ومخلفات الحكم المصري الذي سهل على العدو بعض الإجراءات.
وكما أسلفانا بأن الدكتورة نائلة الوعري وجهت من خلال هذا الكتاب رسالة مفادها بأن ليس ثمة وقت للمجاملة على حساب التاريخ والأمة، ونوجه أيضا نحن رسالة لؤلئك الذين يبررون لمن أخطأ وأجرم بحق أمتنا وخصوصا اذا كانوا من عليين القوم بتلك الأحاديث النبوية الشريفة كحديث (اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ)، ودون أدنى محاولة للتعلم والاستفادة من العبر والدروس لتلك الأخطاء التي وقعت وما زالت تقع فيها الأمة، ونقول لهم بأننا ملتزمين بحديث (لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين) هذا من جانب.
ومن جانب آخر حان الوقت لنفند أسطورة روجها العدو ورددها عن جهل البعض من أبناء هذه الأمة مفادها بأن الفلسطينيين هم من باعوا أراضيهم، فالنستعرض أمثلة تجيب على هذا السؤال ولنضع النقاط على الحروف فلا يستوي من دافع عن فلسطين بمن باع فلسطين.
أولا: المواقف الرسمية من المشروع الصهيوني:
1- الموقف الرسمي (المشرف):
– عهد السلطان عبدالحميد الثاني:
قاوم السلطان عبدالحميد المخططات الصهيونية على أكثر من صعيد فبالاضافة إلى رفضه التام للمشاريع الاستيطانية التي تقدم بها المسؤولون الأوروبيون بتوطين اليهود في فلسطين، وقام بفسخ العديد من العقود خلال عام 1891م، وعمل على تحديد فترة الاقامة للزوار اليهود للأماكن الدينية بثلاثة شهور فقط ومع التسفير الفوري للمخالفين.
وفي عام 1897م عقد في بازل المؤتمر الصهيوني الأول، والذي كان أحد أبرز أهدافه هو استيطان اليهود في المقاطعات الفلسطينية، وحاول زعيم الحركة الصهيونية استغلال الضائقة المالية الكبرى التي تعاني منها الدولة العثمانية وطلب مقابلة السلطان ونجح في عام 1901م بعد سنوات من الرفض، ليقدم عرضا لتصفية الدين العام للدولة مقابل أن يصدر السلطان براءه أو إرادة سلطانية تتيح لليهود الاستيطان في المقاطعات الفلسطينية وكان الرد التاريخي للسلطان عبدالحميد الثاني عليه بالنص التالي:
(( لا أقدر أن أبيع ولو قدما واحدا من البلاد، لأنها ليست لي بل لشعبي لقد حصل شعبي على هذه الإمبراطورية بإراقة دمائهم وقد غذوها فيما بعد بدمائهم، وسوف نغطيها بدمائنا قبل أن نسمح لأحد باغتصابها منا .. لا أستطيع أبدا أن أعطي أحدا أي جزء منها ليحتفظ اليهود ببلايينهم فإذا قسمت الإمبراطورية فقد يحصل اليهود على فلسطين بدون مقابل وإنما لن نقسم إلا على جثتنا ولن نقبل يتشريحنا لأي غرض كان …)).
2- الموقف الرسمي (المتخاذل والمهادن):
– عهد السلطان محمد رشاد:
نظرا لمواقف السلطان عبدالحميد الثاني الممانعة ضد المشروع الصهيوني والاستعماري، استخدم النفوذ الصهيوني ادواتهم لعزله وتنصيب السلطان محمد رشاد عام 1909م، واستلام جمعية الاتحاد والترقي مقاليد الأمور في الدولة، حيث أخذت الحكومة الجديدة بانتهاج سياسة منبطحة من المشروع الصهيوني، وقامت بإزالة جميع العوائق الإدارية والقانونية التي تحد من أنشطت الحركة الصهيونية، وتشير الوقائع بأن ما تحقق من نجاحات للحركة الصهيونية ابان الحكومة الاتحادية (1909-1914م) يعادل اضعاف ما حققته الحركة منذ عام (1856-1909م)، بالرغم من ان السلطان محمد رشاد رفض انشاء وطن قومي لليهود ولكن قرارت الحكومة الاتحادية المنبطحة تفوقت عليه.
زعماء جمعية الاتحاد والترقي
وكان نظام الدولة العثمانية يقوم على بأن الأراضي التابعة لها من الفتوحات تكون وقفا على المسلمين، وعندما تم خلع السلطان عبدالحميد الثاني فرضوا على الدولة بأن تدخل الأراضي السلطانية الى خزينة الدولة المتهالكة وباتت تعرف هذه العملية بالأرض المدورة، ومن خلال هذه الأراضي فتحت جمعية الاتحاد والترقي الاستثمار في الأراضي المدوره على مصراعيه، تحت شعار إنعاش الإقتصاد، وقد منحت الحكومة الاتحادية من هذه الاراضي امتيازات استثمارية لنجيب الأصفر وسليم الأصفر وهما – أي الأخوين الأصفر- الوجه المعرب للحركة الصهيونية إن جاز التعبير (بحسب وصف الباحثة)، ونسذكر ذلك الاستدعاء الذي قام به وزير المالية بالحكومة الاتحادية جاويد بك لسليم الأصفر من باريس عام 1909م، وتكليفه بأخذ امتياز تجفيف حوض الحولة، الذي أضيف إليه غور بيسان ومساحته ما يقارب مليونين دونم(الدونم 919.3م2 قبل انهيار الدولة العثمانية)، ثم اتسع الامتياز ليصل الى 180 مليون دونم، وأيضا قامت الحكومة بعمل مزاد علني لبيع بعض أراضي الدولة وقد استهدفها شركة الاصفر، فشهدت البلاد احتجاجات حاشدة من قبل أهالي نابلس وشكلوا هيئة لهذا التجمع ضمت كل من عبدالفتاح طوقان، كامل هاشم، إبراهيم عبدالهادي، حسن حماد، نمر النابلسي، وقد نشرت جريدة الكرمل تفاصيله على صدر صفحتها بتاريخ 12 آب 1913م، ومما جاء فيها:
(( الخطر العظيم الذي نشعر به قرار بيع الأراضي المدورة في المزاد العلني نظرا لما يتربصه ذو النوايا المريبة من الطامعين في بلادنا الفلسطينية ولما عليه الأهالي من الفقر الذي يستحيل معه مشتراها صفقة واحدة دعانا إلى عقد إجتماع عام. وقد حظر هذا الاجتماع ألوف مؤلفة من الأهالي وألقيت في الخطب الاحتجاجية وقرروا رفع البرقيات للمحلات الايجابية طالبين من الحكومة أن تصرف النظر قطعيا عن مشروع المزاد العلني، وإعطاء الأراضي ببدل المثل وبصورة مقسطة للمتصرفين والمزارعين فيها الذين خرجت من أيديهم بطرق استبدادية، والذين إذا حرمتهم الحكومة منها لا يجدون ما يلجأون إليه …)).
ثانيا: موقف العلماء والنخب المثقفة من المشروع الصهيوني
1- موقف العلماء والنخب المثقفة (المشرف)
كان للعلماء دورا مشرفا وصل الى حد إصدار الفتاوى بتحريم البيع وقد ناقشوا مواقفهم الممانعة من المشروع الصهيوني في خطب الجمعة والأعياد والمناسبات داخل المساجد والجوامع والتكايا والزوايا وفي المسيرات الشعبية والاعتصامات وخلال العرائض الشعبية والأمثلة كثيرة في هذا الشأن، وتشهد على ذلك خطب الشيخ أحمد عارف الحسيني (1873-1917م) سليل اسرة الحسيني العلمية الكريمة، وخطب الشيخ سليمان التاجي الفاروقي الجريئة التي لم يسلم منها جمال باشا قائد الجيش الرابع، الذي حاوره في عدم احقية الجيش بمصادرة المحاصيل لتمويل الجيش، وحذر من خطورة الأخوين الأصفر (السابق ذكرهم) بمقال صحفي عام 1910م بعنوان الخطر الأصفر، ونختم بخطب الشيخ ابو رباح الخالدي الذي حرض علنيا الى المواجهة مع مستوطنة بتيح تكفا وعدم بيع الأراضي للمستوطنين كما دعم المزارعين بالاحتفاظ على اراضيهم كما فعل مع حامد المصري، هذا عن العلماء المسلمين باختصار، أما عن المسيحين دعونا نستعرض إفادة شاهد على العصر، فالنستشهد برأي الشيخ يوسف ضياء الدين محمد علي الخالدي (1842-1906م) ولكن بعد تعريف مختصر عنه، الشيخ يوسف ينحدر من أسرة علمية كابر عن كابر يعود نسبها للصحابي خالد بن الوليد، فكان والده قاضيا في ولاية أرضوم، والرجل ضليع في اللغة العربية ومشهور بثقافته الإسلامية وكان لا يخشى في الحق لومة لائم، وهذا ما افاد به خصومه، حيث وصفه السفير الامريكي في اسطنبول تعليقا على مداخلته في مجلس المبعوثان (البرلمان):
(( لقد أثار يوسف زوبعة في البرلمان بجرأته وفصاحته، ولدهشتي أنه يتكلم الانجليزية والفرنسية بطلاقه .. إنه ينتقد السلطان والموظفين الفاسدين والأتراك بشكل عام بألفاظ فظة…)).
مجلس المبعوثيان عام 1908م
فهذا رأي المخالفين له، أما عن شهادة الشيخ يوسف بحق المسيحين، فقد عبر عنها برسالة بعثها الى الحاخام اليهودي الأكبر في فرنسا وهو صديق زعيم الصهاينة هيرتزل، الذي نصحهم خلالها بأن يتركوا فلسطين بسلام، ونقتطف من هذه الرسالة النص التالي : ((… كما أن المسيحين العرب لا سيما الكاثوليك والأرثوذكس يكرهون اليهود بشدة …))، فبالتالي نؤكد بأن الممانعة كانت فلسطينية عربية بجناحيها المسلم والمسيحي، وبهذه الروح الممانعة وجدنا الاستاذ حنا عبدالله العيسى المتوفي عام 1909م، والذي درس في مدارس الطائفة الأرثوذكسية في القدس، وأصبح ضليعا باللغة العربية، ونتيجة لإعجابه بالأصمعي أصدر مجلة أدبية نصف شهرية أسماها الأصمعي وكنوه على إثرها بأبي سعيد، وبالرغم من توجها الأدبي إلا أنه خصص في مجلته زاوية سياسية كانت شديدة المهاجمة للمشروع الصهيوني وأعوانه.
وعلى الصعيد الصحفي ذاته وبحسب قراءتي لهذا الكتاب فأني أود بأن اشيد بدور سعيد جار الله الذي اصدر صحيفة المنادي المقدسية 1912م، التي لم تترك ولا شاردة ولا واردة الى ذكرها سواء فساد المسؤولين او حيل الصهاينة، فكان قلمه بحق منبرا وطنيا ومحرضا جريئا لكل التحركات الشعبية وضد كل من ساولته نفسه بأن يخون العهد والأمانة، ولولا العجالة لكتبت صفحات، ولذلك سنقتطف جانبا من تحذيراته للمواطنين بتاريخ 20 شباط 1912م : ((لقد جبل علينا تراب هذه الأرض مرات عديدة بدماء أجدادنا إنا والله يعز علينا أن نجهر بعداء الناس أو ندعو إلى إمتهان النزل لأننا تعودنا أن نتغاضى عن إساءة المسيء ونحل الضيف من نفوسنا مكانا عاليا ونطلق يده في أموالنا وما ملكته أيدينا إلا أعراضنا غير أن هذا النزيل الثقيل النزيل الصهيوني جاوز حده في ضيافة مضيفه وزينت له أمره نفسا سيئا فهو يحاول أن يطردنا من أرضنا ويسلبنا أموالنا …)).
ولم يكن دور النخب في الداخل فقط فنستذكر الدور النوعي الذي قام به أحمد سامح راغب الخالدي (1895-1951م)، الذي استغل وجوده للدراسة في الجامعة الأمريكية ببيروت، فأسس في عام 1913م جمعية مكونة من أربعين طالبا فلسطينيا غايتها توحيد الكلمة وإبراز القضية الفلسطينية للعالم، وفي نفس العام (1913م) أسس محمد الشنطي جريدة الإقدام من القاهرة التي كان شغلها الشاغل مهاجمة المشروع الصهيوني.
صحيفة المنادي المقدسية كانت منبرا محرضا لكل من تساوله نفسه، المصدر كتاب د. نائلة الوعري المذكور أعلاه ص 475
2- موقف العلماء والنخب المثقفة (المتخاذل والمهادن)
ان من الجدير ذكره بأن حكومة الاتحاد والترقي قد أصدرت أوامرها عام 1912م إلى أجهزة الأمن بضرورة تحذير (ترهيب) الخطباء في المساجد من إلقاء الخطب السياسية المتطرفة والتي تهاجم الحركة الصهيونية، ولوحظ في هذه الفترة قد جنح بعض العلماء في فترة تولي حكومة الاتحاد والترقي لزمام الأمور لمنحى آخر، وهي السياسة المعتدلة مع المشروع الصهيوني، ومن سلك في هذا النهج من العلماء الشيخ كامل طاهر الحسيني المتوفي عام 1921م، ومن النخب المثقفة المهندس نظيف الخالدي المتوفي عام 1916م، حيث حاول تقريب وجهات النظر بين زعماء الحركة الصهيونية والمقاومة الفلسطينية ولكن دون جدوى.
ومن الشخصيات التي أخذت منهجا منبطحا مع المشروع الصهيوني هو إيليا زكات المتوفي عام 1926م، وهو خريج المعهد الروسي للمعلمين في الناصرة، اصدر صحيفة النفير العثماني في الاسكندرية ثم نقلت الى يافا ومنها الى القدس، فأخذ بنشر مجموعة من المقالات التي تمتدح الإستيطان مقابل مبلغ من المال، وأطلق على صحيفته لقب “الصحيفة المأجورة”.
ثالثا: موقف الأعيان والإقطاعيين من المشروع الصهيوني
1- موقف الأعيان والإقطاعيين (المشرف)
كان للأعيان والوجهاء أدوارا وطنية رائدة في مختلف المناسبات ولا يسعنى في هذه العجالة ذكرها جميعا، ولكننا نستذكر بأن متصرف القدس رؤوف باشا (1877-1889م) كان مخلصا وسدا منيعا لانتقال العديد من الملكيات لليهود، ولكن ما ان خلفه رشاد باشا عام 1889م لم يتشدد كما فعل سلفه، فتقدم مجموعة من الوجهاء والأعيان بشكوى إلى السلطات العثمانية في اسطنبول عام 1891م فصدرت أوامر الاستانة عام 1892م إلى متصرف القدس تقضي بمنع بيع الأراضي الأميرية وحظر شراء العقارات في لواء القدس من قبل اليهود، وعلى هذا النهج سار الأعيان فتجدهم يكتبون العديد من العرائض ضد المشروع الصهيوني، أما عن الدور الإيجابي للإقطاعيين فأكتفي بدور السلطان عبدالحميد الثاني باعتباره المؤمن على اراضي الدولة، فقد ذكرنا دوره المشرف برفضه التام لبيع الاراضي للحركات الصهيونية كما ذكرنا بالتفصيل أعلاه.
2- موقف الأعيان والإقطاعيين (المتخاذل والمهادن)
ولوحظ بأن كبار الإقطاعين الذين باعوا الأراضي للحركات الصهيونية هم من أصول غير فلسطينية بعكس المزارع الفلسطيني الفقير الذي يزاول أعمال السخرة، وسنكتفي بضرب مثالين مدعومين بالوثائق:
أ- موقف آل سرسق:
تعد ملكية آل سرسق (يوسف، ابراهيم، لطف الله، موسى، خليل وأبناؤهم) ومن كبرى الإقطاعيات في فلسطين، وينحدرى السراسقة من أسرة لبنانية مسيحية الديانة أرثوذكسية المذهب ترجع في نسبها إلى قرية البرابرة إحدى قرى جبل لبنان، عمل ابناؤها في قطاعات اقتصادية مختلفة، وعلى رأسها الانشاءات حيث ساهموا بتعبيد طريق دمشق بيروت عام 1863م، وحفر قناة السويس 1869م، وبوجب ذلك أمتلكوا مساحات واسعة من الأراضي في سهل البقاع اللبناني ومغازل الحرير ومراكز ومصارف في عدد من المدن الشامية وعلى وجه التحديد الساحلية، وتشير المصادر بأنه قد دخلوا اول مزايدة لشراء عقار في فلسطين عام 1869م عندما رست عليهم شراء 230 ألف دونم في صفقة واحدة تركزت في سهل مرج ابن عامر ومن بعدها اصبحوا امبراطورية اقطاعية، وامتلكوا حوالي العشرات من القرى والسهول وسفوح الجبال تقدر ب 62 موقعا يحتاج ذكرهم لوحده كتابا، وقد ذكرتهم الباحثة في بالتفصيل.
مقتطف من وثيقة تثبت بأن آل سرسق باعوا الارض للحركة الصهيونية، المصدر كتاب د. نائلة الوعري المذكور اعلاه ص 453
وتعاونوا صراحة من الحركات الصهيونية من خلال بيع الاراضي، فباعوا قرية العفولة للحركة الصهيونية رغم رفض وتصدي قائمقام الناصرة شكري العسلي لعملية البيع ورفضه للتوقيع، إلا أن السراسقة نقلوها للصهاينة عبر والي بيروت الذي وقع للمعاملة، وكان من ولاة بيروت المتواطئين مع الصهيانة راشد باشا.
ولكن الاهالي احتجوا كثيرا على ملكيات السراسقة وعلى سبيل المثال لا الحصر الاحتجاجات الواسعة ضدهم، خصوصا على اراضي مدينة الناصرة التي تمكن الأهالي في نهاية المطاف من ارجاعها مقابل 2000 ليرة.
ب- موقف ال تيان:
تنتمي أسرة التيان إلى أسرة مسيحية استقر اعيانها في مدينة يافا وبيروت، وترجع أصولهم إلى قبيلة الغساسنة العربية ساهموا بانتقال اراضي بوادي الحوارث شمال غرب طولكرم، وتبلغ مساحتها 30000 دونم الى التاجر اليهودي اسحاق حاييم.
وهذه الوثائق التاريخية تثبت نقل ال تيان لأرض “وادي الحوارث للحركة الصهيونية”.
لمصدر كتاب د. نائلة الوعري المذكور اعلاه- ص 446
قبل أن أختم أود أن أضيف معلومة هامة أوجهها لشعبنا العربي الذي ينقل بعض ابناءه عن جهل تلك الإشاعات التي روجتها الحركة الصهيونية بأن “الفلسطينيين قد باعوا أراضيهم لليهود”، فاننا نود التأكيد بأن اليهود بالرغم من عمليات الشراء التي قاموا بها بفلسطين عبر الاقطاعيين الغير فلسطينيين وتسهيلات حكومة الاتحاد والترقي، لم ينجحوا في أمرهم، بل فشلوا نظرا للممانعة والمقاومة القوية من قبل الشعب الفلسطيني والمخلصين في الجهاز الرسمي، ولذلك غيروا خطتهم وحاولوا إنتزاع تعهد من بريطانيا بمنحهم فلسطين مقابل أن تدعم الحركة الصهيونية الحلفاء في الحرب العالمية الأولى، ولكن قبل أن يتم ذلك (وهذا أكبر دليل على ذلك الفشل)، قد حاول أحدهم في الثاني من سبتمبر عام 1917م (قبل وعد بلفور باسابيع قليلة) وهو طبيب يهودي روسي يدعى ((م.ل. روششتين)) مقيم في باريس، والذي تقدم باقتراح لوزارة الخارجية البريطانية عن طريق السفير البريطاني بباريس، يطالب فيه بانشاء دولة قومية لليهود في البحرين ووضع مخططا تفصيليا لتلك المؤامرة فلولا وعد بلفور في الثاني من نوفمبر 1917م لكانت البحرين هي المستهدفة، فتخيلوا بأن تكون البحرين هي الوطن القومي لليهود، وأن أطفال البحرين هم أطفال الحجارة، وان العبد الفقير لله راشد الجاسم المحرقي البحريني هو الذي يفكر بكتابة هذا الكتاب وتساعده الدكتورة نائلة المقدسية بما تمتلكه من وثائق لدعم الصمود البحريني في مواجهة الإحتلال الصهيوني، ولكن لن يتمكن الجاسم وغيره من كتابة هذا الكتاب، لأنه ثروة قومية لا تقدر بثمن وتستحق عليه الأوسمة، بل لا يستطيع كتابة هذا النوع من المؤلفات إلا شخص يقبل أن ينزوي عن العالم خدمة لقضيته، فهذا النوع من الأبحاث لا يمكن أن يتم دون الإنعزال عن البشر والأهل والعيال وكافة وسائل الترفيه، ولا يقوم به -اي الابحاث- إلا شخص مؤمن صادق ومخلص ومتفاني لقضيته، ولذا أحيي كاتبته بتحية إجلال وعرفان على هذا العمل الجبار، أمانة تشرفت بقراءته حرف حرف .. سطر سطر.
ونختم بأن هذا الكتاب أصبح في مصاف المراجع التاريخية للقضية الفلسطينية، ولا أبالغ ان قلت بأنه من أهمها، وان أهميته ليس للشعب الفلسطيني فحسب، بل لكل دول العالم الثالث الذين لا يستطيعون التمييز بين تشجيع الاستثمار وبيع أراضي الوطن، ولا يعون خبث ومكر الدول العظمى وحيلهم، واعذروني على الإطالة لقد أنست برفقتكم كثيرا.
Comments